preloader

قصور، معابد وقوانين: التعايش في هياكل اليمن القديم

سمر عبد الله
صنعاء
أقامت ممالك اليمن القديم عددًا من الهياكل التي كرَّست للتعاون والتحالف، سواء كان ذلك اجتماعيًا، اقتصاديًا أو سياسيًا. هكذا ظهرت رموز عديدة لهذا التعايش، نلقي هنا نظرة على جزء صغير منها. القصر، المعبد والقانون كلّها هياكل ما زالت شاهدةً على تعايش اليمن على مرّ الزمن.
نقوش بخط المسند في معبد أوام، سبتمبر ٢٠٢١م. © زين العابدين بن علي | مجلة العربية السعيدة

تقترن المعلومات الأولى لتاريخ اليمن بذكر مملكة سبأ التي تعود للقرن العاشر قبل الميلاد. ارتبطت سبأ بمعظم الرموز والهياكل التاريخية في اليمن القديم، من أبرزها سدّ مَأْرِب، الذي يُنسب إلى أول مُكَرِّب في سبأ، سُمُه عَلِي يَنُفْ، في القرن الخامس قبل الميلاد، حسب تاريخ اليمن القديم لمحمد بافقيه. توالت الإضافات على السدّ وترميمه على أيدي حكّام آخرين. بانهيار السد عام ٥٧٥م، كما قيل في الأمثال، «تفرق شمل سبأ». 

تعاقب نظام الحكم في سبأ على المكارب والملوك، حيث جمع المُكَرِّب بين الكِهَانَةُ والإمارة، بينما اهتم الملك كسلطة عليا في الدولة بالجانب السياسي أكثر من الجانب الروحي. جاء نشوء الممالك اليمنية القديمة بفعل اتحاد أو شبه اتحاد ضمّ أكثر من شعب. الشعب، حسب تفسير جَوَاد مطر في كتابه الأحوال الاجتماعية والاقتصادية في اليمن القديم، هو كلّ قوم جمعت بين أفراده مصالح مشتركة أو عقيدة أو حرفة واحدة. لكلّ شعب ملك يرأسه وآلهته الخاصة. مثلًا، نشأت الهَجَر، أي المدينة، كمركز للقبيلة أو الاتحاد في اليمن القديم بعد أن توافرت لها كل المنشآت الأساسية واللازمة كالمعبد، القصر ومصادر المياه كما تسرد أسمهان سعيد الجرو، الأستاذة المشاركة في قسم التاريخ بجامعة السلطان قابوس في مسقط، في كتابها دراسات في التاريخ الحضاري لليمن القديم. جمعت المصالح الاقتصادية، المعتقدات الدينية والتعاون المجتمعي بين مختلف الأسر، مما أدّى تدريجيًا، مع مرور الزمن وازدهار الشعوب، لهياكل مجتمعية أكثر تعقيدًا. 

 

القصر هيكل الحكم

«كان السائد في اليمن القديم أن يكون في كل مملكة قصر ملكي يكون رمزًا للحكم. يضمّ القصر عادة وحدات معمارية خاصة به مثل الغرف الخاصة بالأعمال الرسمية للدولة، حيث تُعقد التحالفات بين الممالك»، يقول أنور الحاير، أستاذ العمارة في كلية الآثار في جامعة صنعاء.

يصف الحاير قصر هَرجُب، أبرز قصر ملكي لمملكة حِميَر، الذي بُني في القرن الخامس الميلادي في ظفار، عاصمة المملكة الواقعة آنذاك على بعد ١٣٠ كيلومتر جنوب صنعاء، كمثال لقصور اليمن القديم. تميّز القصر بمكونات وعناصر معمارية هندسية مميزة، كالصَّرْح – ساحة تلي المدخل وتحيط بها الغرف – الذي كان مُبَلَّطا بأحجار مصقولة من البَلق الأبيض، والفناء، ساحة مربعة مكشوفة مُبَلَّطة بأحجار الصلل الملساء المستطيلة والمرصوفة من النوع الجيري. توفّر القصر كذلك على بئر الماء، الذي قد يكون بطرف أو وسط الفناء. أما كرسي العرش (المَثْوَب) فزُيِّن بزخارف نباتية، هندسية وحيوانية، وبعض الكتابات المسندية.

تكوّن أعضاء المِسْوَد المجلس التشريعي أو الديوان الرسمي للدولة من كافة شرائح المجتمع القبلي. المِسْوَد هو كذلك أبرز وحدات القصر، حيث كانت تُستقبل فيه وفود الدول الأخرى ورجال القبائل، ويتمّ التشاور وعقد الاجتماعات العامة.

نقوش في معبد أوام، يونيو ٢٠٠٥م. © جون بوين

نقوش في معبد أوام، يونيو ٢٠٠٥م.
© جون بوين

المعبد هيكل التعايش الديني

لقد عبد اليمنيون قديمًا آلهة تُجَسِّدها أجسامٌ سماويةٌ مثل الشمس، القمر والزهرة، وشيّدوا معابد لها. ربما من أهم الرموز الدينية معبد الإله المُقه، أو معبد أوام، في مأرب، المعروف بمحرم بلقيس. يقع المعبد البيضاوي الشكل بين تلَّيْن من الحجر الجيري. تتقدم المعبد ثمانية أعمدة متراصة من الجرانيت. يُنسب تعمير معبد الإله المُقه للمُكَرِّب يَدَعْ إِلْ ذَرِيحْ بن سُمُهُ عَلِي، أشهر حكّام سبأ فيما يتعلق بأمور البناء وخاصة المعابد، وكان حكمه إمَّا سنة ٦٦٠ أو ٤٩٠ قبل الميلاد. 

ربما كان قبول الآلهة المختلفة والمؤمنين بها هو ما وفَّر لليمني القديم الوقت والفرصة لبناء حضارته

كان لكل منطقة وقبيلة معابدها التي يقوم فيها المؤمنون بإقامة شعائر دينية، كتقديم النذور وهبات مادية وأخرى عينية كالبهيمة، الأراضي الزراعية والتماثيل المصنوعة من الفضة؛ إهداء القرابين، كالذبائح والبخور لطرد الأرواح الشريرة؛ الصيد المقدّس؛ صلاة الاستسقاء؛ الاعتراف العلني بالذنوب؛ والحجّ، حيث كانت الناس تأتي من مناطق متفرقة لإقامة احتفالات في شهر أبهى، شهر الأمطار، كما يشير نقش ٦٥١ من معبد أوام، المُؤَرَّخ في نهاية القرن الثالث الميلادي، في عهد الملك يَاسِر يُهْنْعِم وابنه شَمَر يَهْرِعْش.

«ربما كان قبول الآلهة المختلفة والمؤمنين بها هو ما وفَّر لليمني القديم الوقت والفرصة لبناء حضارته»، حسب تحليل الحاير.

ارتبطت نشأة المعابد بوظيفة الكهنة، الذين كانوا يُعيّنون بمرسوم ملكي كوسطاء بين المؤمنين والآلهة، ولحل ما ينشب بين الناس من نزاعات حول الأراضي. ويشير نقش تشريعي (٢٨١٣ RES)، مصدره مدينة قرناو في وادي الجوف ويعود لعهد الملك المعيني اَلْ يَفِعْ يَشُرْ في القرن الثالث أو الرابع قبل الميلاد، إلى كلمتي رَشْو (كاهن) ورَشْوت (كاهنة)، مما يدلّ على وجود كاهنات في المعبد عملن إلى جانب الرجال، كما تفسّر الجرو في نفس الكتاب.

 

قوانين تكرّس لحفظ الحقوق وتوثيق العلاقات

ضمّت ‏هياكل التعايش في اليمن القديم عددًا من الأنظمة القانونية والتجارية التي ساعدت على ازدهار الشعوب وعلى حماية حقوق فئات اجتماعية مختلفة. مثلًا، عملت مملكة مَعِين (من القرن الثامن قبل الميلاد حتى عام ١٥٠ قبل الميلاد) على «نظام مؤسسي ينظّم العلاقات الاجتماعية في الزواج بأجنبيات لضمان حقوقهن»، كما يوضِّح المهندس خالد الحاج، كبير أخصّائييّ الآثار بالهيئة العامة للآثار والمتاحف. وتكشف نقوش تعود للدولة المعينية في الجوف عقود زواج معينيين من نساء أجنبيات من مناطق غزة، مصر والشام، ودول وممالك حوض البحر الأبيض المتوسط مثل روما واليونان، مما يدلّ على توثيق العلاقات في إطار التكوينات السياسية والاجتماعية. كما عمل المعينيون كذلك عبر تجارتهم على تحالفات مع عدد من المراكز التجارية المجاورة وصولًا إلى مصر. 

«من أشهر القوانين في تاريخ اليمن قانون سوق شَمَّر في تَمْنَع، عاصمة مملكة قتبان، الذي حرص على حماية حقوق المستهلك»، كما يفسّر البروفسور عبد الله بالغيث أستاذ التاريخ القديم في جامعة صنعاء. تاريخ نشأة مملكة قتبان غير معروف، ولكن بالغيث يذكر أن «نقش النصر، الذي يعود إلى مطلع القرن السابع قبل الميلاد، ذكر دولة قتبان، ما يدلّ على أنها كانت دولة من الدول القائمة في اليمن خلال القرن الثامن قبل الميلاد وما قبله». ساهمت هذه القوانين على بسط النظام في ممالك اليمن المختلفة، وتزامنت مع تطورات عديدة منها مثلًا بسط المدرجات الزراعية، تنظيم العملية الزراعية الخاصة بملكية الأراضي، وإنجاز تقويم زراعي يُحدِّد مواسم المطر والبذر والحصاد ما زال يُستخدم إلى اليوم، حسب بالغيث. 

 

تاريخ ثري بهياكله 

تاريخ ‏اليمن ‏ثري بهياكل أقامها اليمنيون قديمًا للعيش في نظام يحترم الآخر ويدفع بازدهار الشعوب إلى الأمام. «من ليس له ماضي ليس له حاضر»، يقول محمد العمري الذي خصّص جزءًا مهمًا من حياته لتوثيق تاريخ اليمن. أصبحت مجموعة أيام الزمن الجميل على الفيسبوك متنفسًا ومتحفًا مفتوحًا للناس من داخل وخارج اليمن. 

سدّ مأرب القديم. تاريخ الصورة: ما بين ١٩٧٣ و١٩٩٠م. © فرناندو فراندا | مكتبة الفنون، مؤسسة كالوست كولبنكيان

سدّ مأرب القديم. تاريخ الصورة: ما بين ١٩٧٣ و١٩٩٠م.
© فرناندو فراندا | مكتبة الفنون، مؤسسة كالوست كولبنكيان

جاءت هذه المبادرة امتدادًا لمجموعة صور اليمن القديمة، التي أسّسها العمري في ٢٠١٢م، مع كل من عرفات البهلولي المهتم بتاريخ صنعاء، محمد ورياض الظرافي المهتمان بتاريخ تعز، ومحمد نعيم وحسين العمري اللذان ركَّزا على تاريخ عدن. مثّلت صور اليمن القديمة مرجعية للكثير من الباحثين والمهتمين. «تواصلتُ مع الباحثين والرحالة الأجانب والأرشيف الإيطالي والألماني الذي أمدني بالكثير من الصور الأرشيفية لتاريخ اليمن»، يقول العمري، ٤٤ سنة، الملقب بموثق تاريخ اليمن، ويعمل حاليًا إعلاميًا في قناة اللحظة في صنعاء. 

سياسة مجموعة أيام الزمن الجميل، التي بدأت عملها في ٢٠١٧م، هي الحياد، نقل التاريخ كما كان، وتوصيل صور التعايش. تواصل المجموعة عملها الذي لا يقتصر على نشر صور الحياة القديمة من أزياء، لعب وأكلات فقط، بل يمتد لتصحيح المعلومات وتفصيل وتفسير الرموز التاريخية ودلالاتها التعايشية.




المـــقال الـــتالي
جميع الحقوق محفوظة لـ arabiafelix.social